الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
299
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
السّلام - وأهله . [ 74 - 76 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 74 إلى 76 ] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 ) التعريف في الرَّوْعُ وفي الْبُشْرى تعريف العهد الذكري ، وهما المذكوران آنفا ، فالرّوع : مرادف الخيفة . وقوله : يُجادِلُنا هو جواب فَلَمَّا صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [ هود : 38 ] . والمجادلة : المحاورة . وقد تقدّمت في قوله : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ في سورة النساء [ 107 ] . وقوله : فِي قَوْمِ لُوطٍ على تقدير مضاف ، أي في عقاب قوم لوط . وهذا من تعليق الحكم باسم الذّات ، والمراد حال من أحوالها يعيّنه المقام ، كقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] أي أكلها . والمجادلة هنا : دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم - عليه السّلام - ربّه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم . وقد تكون المجادلة مع الملائكة . وعدّيت إلى ضمير الجلالة لأنّ المقصود من جدال الملائكة التعرّض إلى أمر اللّه بصرف العذاب عن قوم لوط . والحليم الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى . والأواه أصله الذي يكثر التأوّه ، وهو قول : أوّه . وأوّه : اسم فعل نائب مناب أتوجع ، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس . والمنيب من أناب إذا رجع ، وهو مشتق من النوب وهو النزول . والمراد التّوبة من التقصير ، أي محاسب نفسه على ما يحذر منه . وحقيقة الإنابة : الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه . وجملة يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا مقول محذوف دل عليه المقام وهو من بديع الإيجاز ، وهو وحي من اللّه إلى إبراهيم - عليه السّلام - ، أو جواب الملائكة إبراهيم - عليه